البحث عن سياق القرآن التاريخي – نبذة عن الدراسات القرآنية الحديثة

  *By Emran El-Badawi | الدكتور عمران البدوي

 

The following is an excerpt of a review article providing an overview of the modern academic discipline of Qur’anic Studies. Its content discusses the ‘traditionalist’ and ‘revisionist’ schools, and academic approaches that fall somewhere in the middle.

(mapsofworld.com)

(mapsofworld.com)

 أشارككم المحاضرة الوجيزة هذه من أجل إعطاء نظرة عامة عن الدراسات القرآنية الحديثة بشأن نص القرآن والتاريخ الإسلامي الباكر بشكل وجيز. ولكن قبل أن نخوض معا في تفاصيل هذا الحديث، أتذكر أن الدكتور نصر حامد أبو زيد ألقى محاضرة مثيرة جدا قبل وفاته العام ٢٠١٠ بقليل عن علوم القرآن في حشد كبير من الأساتذة والطلبة والجمهور العام بالجامعة الأميركية في بيروت. لا حاجة لنا إلى أن نذكر أفكار أبي زيد أو معاناته نتيجة لأفكاره المثيرة للجدل. بل ما أريد التعبير عنه الآن هو أن الجامعات لا بد من أن تبقى منبرا ومنبعا للتقدم الفكري والثقافي . إلى موضوعنا وهو

سياق القرآن التاريخي

هناك تياران في الدراسة القرآنية الحديثة حول مسألة سياق القرآن التاريخي : أحدهما وهو الأقدم يوفق بين النص القرآني  والتراث الإسلامي وأسميه التيار التقليدي ، والآخر يستنبط سياق القرآن من النص وحده، ويبتعد عن السيرة والتفسير بشكل عام ، وأسمي هذا بالتيار التنقيحي. إلا أ نه صدرت مؤخرا أبحاث تقع مناهجها العلمية بين هذا وذاك. نبدأ حديثنا عن المراجع التقليدية التي يعتمد عليها التيار التقليدي ، أي التراث الإسلامي نفسه

**  PDF – إضغط هنا لمواصلة القراءة **

* This blog post is a slightly modified version of http://iqlid.wordpress.com, and it is part of a longer article published in Al-Machreq Online | المشرق الرقميَّة – العدد الخامس – كانون الأول ٢٠١٤

© International Qur’anic Studies Association, 2013. All rights reserved.

The Qur’an – A Humanistic or Political Discourse? | القرآن – من أجل الإنسان أم من أجل السلطان؟

By Dr. Ali Mabrouk | للدكتور علي مبروك *

The following is an excerpt from the Introduction to Ali Mabrouk, Nusūs ḥawl al-qur’ān: fī al-sa’y warā’ al-qur’ān al-ḥayy, (Texts about the Qur’an: In Search of the Living Qur’an; 2014).  In it, Dr. Mabrouk discusses the clash between mobilizing the Qur’an for political purposes (min ajl al-sulṭān), and a humanistic reading of the text (min ajl al-insān). He finds the former more widespread due to the work of classical Islamic jurists, and especially in the wake of the recent Arab revolutions, and proposes the latter as an alternative. He asserts that not only does this humanistic approach better preserve the rights of people, but it also gives us a better understanding of both the qur’anic text and God. (E. El-Badawi)

Fath ʻAli Shah Qajar with two princes in attendance, receiving Mirza Riza Quli Munshi al-Mamalik. From the Shahanshah namah by Fath ʻAli Khan Saba. Qajar, dated 1225/1810 (BL IO Islamic 3442, f 64v) - See more at: http://britishlibrary.typepad.co.uk/asian-and-african/persian-digital-manuscripts/page/2/#sthash.2J13YOq0.dpuf (http://britishlibrary.typepad.co.uk)

Fath ʻAli Shah Qajar with two princes in attendance, receiving Mirza Riza Quli Munshi al-Mamalik. From the Shahanshah namah by Fath ʻAli Khan Saba. Qajar, dated 1225/1810 (BL IO Islamic 3442, f 64v) (http://britishlibrary.typepad.co.uk)

من أجل الإنسان

(نبذة من كتاب نصوص حول القرآن في السعي وراء القرآن الحي)

تتأتى ضرورة قولٍ جدَّيٍ في القرآن الآن، من حقيقة أن العالم الواقعي لم يكن، في الأغلب، هو ساحة المعركة التي اندلعت، في الإسلام، حول ما إذا كان الإنسان قادراً وفاعلاً أو أنه محض كيانٍ عاجزٍ، لا قدرة له ولا تأثير. بل إن هذه المعركة قد اتخذت- وللغرابة- ساحاتها الرئيسة على امتداد فضاءات “الميتافيزيقي” والمفارق؛ وأعني من الله والقرآن بالذات. فالذين تصارعوا حول صفات الله، مثلاً؛ وكان منهم من أثبتها “قديمة وزائدة على الذات” في مقابل من نفى عنها أن تكون هكذا، وأثبتها، فقط، بوصفها “اعتبارات في النظر إلى الذات”، كانوا- في الحقيقة- يتخذون من الصفات ساحة يحسمون عليها معركتهم حول الإنسان بالأساس. ويترتب ذلك على حقيقة أن القول في الله بأن صفاته “قديمة وزائدة على ذاته “قد اقترن- وكان ذلك لازماً- بالقول في الإنسان “أنه لا تأثير لقدرته في مقدوره (أو فعله) أصلاً، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله تعالى”[1]. ويرتبط ذلك بأن قول هؤلاء بالقيام الأولاني القديم للصفة بالذات[2]، لابد أن يحيل إلى الدور التابع للوعي في مسألة، أو فعل، الوصف؛ وعلى النحو الذي ينتهي إلى تثبيت الحضور التابع أو الخاضع للإنسان، على العموم. ولعل هذا المعنى يتأكد حين يدرك المرء أن من تصوروا الصفات- في المقابل- على أنها اعتباراتٍ في النظر إلى الذات، قد عملوا على تثبيت الحضور الفاعل للإنسان؛ بسبب ما انتهوا إليه من “إن الخلقَ هم الذين يجعلون لله الأسماء والصفات”[3]؛ ويعني بما هي اعتباراتهم في النظر إلى جلال ذاته.

وإذا كان الله قد تبدى، هكذا، كساحة للتصارع حول الإنسان، فإنه لن يكون غريباً أن يستحيل القرآن، بدوره، إلى ساحة لنفس هذا الصراع أيضاً؛ وأعني من حيث ما ينطوي عليه من إغراء التعالي به إلى عالم الميتافيزيقي والمفارق. وهكذا فإن من تصوروا القرآن “صفة قديمة لله”، كانوا مشغولين بتثبيت وضعٍ بعينه للإنسان، يكون فيه مُستلباً وعاجزاً، وذلك بمثل ما إن من سيتصورونه- في المقابل- “خطاباً يخص الإنسان” كانوا مشغولين بتثبيت تصورٍ للإنسان يكون فيه قادراً على الفعل في العالم.

وإذ يبدو، هكذا، أن الخطاب النافي للإنسان يعلق نفسه على قولٍ في الصفات والقرآن، لا يرى إليهما إلا في تعلقهما بالله فحسب، بل ويلح على طمس حقيقة دخول الإنسان والعالم في بنائهما؛ فإنه يلزم التأكيد على أن كلاً من الله والقرآن إنما يحضران، وفقط، كمحض قناعين لمن يُراد إخفاءه وراءهما (وهو السلطان)؛ وبصرف النظر عما تؤدي إليه هذه الممارسة من التشويش على جلال الله وفاعلية القرآن. وبالطبع فإن ذلك يعني أن الأمر يتعلق، في العمق، بمواجهة بين “الإنسان” و”السلطان”؛ وفقط فإن “السلطان”- أو بالأحرى فقهاؤه- يستدعون “الله”، ومعه القرآن، ليكسبون به معركتهم، على نحو حاسم. فالسلطان حاضرٌ حضوراً جوهرياً في قلب “القول في الصفات”، وإلى حد استحالته إلى “أصلٍ” يجري القياس عليه في تأويل بعض الصفات التي يصف الله بها نفسه في نص التنزيل؛ وكان ذلك إلى الحد الذي مضى معه الغزالي إلى أن “الحضرة الإلهية لا تُفهم إلا بالتمثيل إلى الحضرة السلطانية”[4]. وبالمثل فإنه حاضرٌ في ما يمكن القول أنه فعل التعالي بالقرآن من “خطابٍ يخص الإنسان” إلى كونه “صفة قديمة من صفات الله”؛ حيث إن ما سيقوم به السلطان، من خلال فقهائه، من وضع نفسه موازياً أو مكمِّلاً للقرآن، (وذلك من خلال المأثور المعروف “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”)، كان لابد أن ينعكس عليه تعالياً بسلطته إلى الوضع الذي تكون فيه مطلقة، وخارج أي إمكانية للسيطرة عليها. وإذن فإن كلاً من الله والقرآن إنما يجري استدعاءهما للدخول في المواجهة مع الإنسان، من أجل مجرد التعالي بالسلطان. وإذا كانت هذه المواجهة قد انتهت إلى الانتقاص من جلال الله[5]، ومن فاعلية وحيوية القرآن، فإن السعي إلى تحريرهما من قبضة السلطان- الذي يمسك بهما بوساطة خدمه من الفقهاء- لن يكون فقط من أجل الإنسان.

وبالطبع، فإنه لا يمكن تصور أن تكون هذه الممارسة- التي يمكن اختزالها في “الأطلقة”- هي محض تاريخٍ فات وانقضى، وبات مدفوناً في تراث القدماء. إذ الحق أنها كانت هناك؛ حاضرةً وفاعلةً طوال الوقت. وفقط، فإنها إذا كانت قد تخفَّت على مدى عقودٍ ماضية (تحت برقع الحداثة الذي ظل يشفُّ- رغم ثقله- عن كل ما يرقد تحته من البنيات البالية العتيقة)، فإنها- ومع احتلال تيارات الإسلام السياسي لصدارة المشهد في دول الربيع العربي- قد عادت للاشتغال الصريح، من دون أي تخفٍّ أو مواربة[6]. وإذ عادت للاشتغال، فإنها راحت تضع أمام الأعين حقيقة “أن ما يتهدد الإنسان، إنما يتهدد- بالمثل- الله والقرآن”. وللآن، فإن تعرية هذه الحقيقة يبدو وكأنه الإنجاز الأوحد لثورات العرب الأخيرة؛ وهو من نوع الإنجاز الثمين، على أي حال. إذ هو القادر- لا سواه- على البلوغ بخطاب “الأطلقة” السلطوي- الذي يجعل الله والقرآن محض قناعين يشتغل بهما- إلى نهايته؛ وبما يفتح الباب أمام إنضاج شروط نمطٍ من التطور مغايرٍ لذلك النمط المشوَّه الذي عرفته مصر، والعالم العربي. ولعل ذلك يحيل إلى أن خطاب “الأطلقة”- وليس الله أو القرآن أو الدين على العموم- هو ما يتهدد مسار التحول الديمقراطي في العالم العربي؛ وبما يعنيه ذلك من خطورة اختزال التحول الديمقراطي في مجرد العملية السياسية فحسب. بل إنه يبدو أن اكتمال هذا المسار مشروطٌ ببناء خطابٍ للأنسنة؛ يتحرر فيه الله والقرآن من التصورات التي تجعلهما يحضران كمجرد قناعين لسلطة مستبدة. إذ الحق أن متانة الارتباط بين الله والقرآن والإنسان تبلغ حداً من الجوهرية يكون معه تحرير التصور الخاص بالواحد منها شرطاً في تحرير التصور المتعلق بالحدين الأخرين. ومن هنا إمكان اعتبار السعي وراء القرآن الحي- في هذا الكتاب- بمثابة خطوة على طريق استكمال الشروط التي تجعل من الميسور إنجاز التحول الديمقراطي المأمول.

وإذن فالأمر- في الختام- لا يتعلق بأي سعيٍ إلى طرد الدين من واقع الناس- بحسب ما قد يتقوَّل البعض عن عمدٍ وسوء قصد- بقدر ما يتعلق بالسعي إلى تحرير الدين، نفسه، من قبضة خطابٍ لا يكتفي بالحط من شأن “الإنسان”، بل ويضطر- في سعيه إلى تثبيت هذا الحط- إلى التنقيص من جلال الله، وضرب أسوار الجمود والصمت حول القرآن. ومن هنا إمكان القول بأن ما يكون من أجل الإنسان، إنما هو- أيضاً- من أجل الله والقرآن، والعكس.

[1] – الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد (مكتبة الكليات الأزهرية) القاهرة، دون تاريخ، ص 194.

[2] – فالصفة- حسب هؤلاء- هي “الشيئ الذي يوجد بالموصوف أو يكون له، ويكسبه الوصف الذي هو النعت…وهذا الوصف (هو) غير الصفة القائمة بالله تعالى”. أنظر: الباقلاني: التمهيد في الرد على الملحدة والمعطِلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق: يوسف مكارثي (المكتبة الشرقية) بيروت 1957، ص 213- 214.

[3] – المصدر السابق، ص 217.

[4] – الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي (دار الكتاب العربي) بيروت، ط 1، 1985، ص 52، وراجع أيضاً: الرازي: أساس التقديس في علم الكلام (شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر) القاهرة، 1935، ص 82- 131.

[5] – فقد اضطر هذا الخطاب، من أجل تثبيت وضع “العاجز” غير الفاعل للإنسان، إلى أن ينسب إلى الله أفعالاً يستحيل إلا أن تكون من فعل الإنسان؛ بسبب ما تنطوي عليه من المثالب والنواقص. وبالرغم من أنها تكون- والحال كذلك- من قبيل الأفعال التي يأنف حتى الإنسان من نسبتها إلى نفسه؛ من مثل الاحتكار وغلاء الأسعار والغصب وغيرها، فإن الخطاب قد نسبها إلى الله لكي يجرد الإنسان من أي قدرة على الفعل، غير عابئٍ بما تؤدي إليه هذه النسبة إلى الله من التنقيص من جلاله سبحانه. وبالطبع فإن ذلك مما يؤكد على حقيقة أن كليَّة القدرة الإلهية لم تكن هي القصد من وراء نفي الحضور الفاعل للإنسان، بقدر ما هو الحرص على التعالي بالسلطان؛ على النحو الذي تنتفي معه مسؤوليته عن أفعال بطشه (كالاحتكار والسلب والغصب والقتل وغيرها)، وذلك عبر نسبتها إلى الله باعتباره الفاعل الأوحد. ومن هنا ما قاله أحدهم للحسن البصري عن ملوك بني أمية: “يا أبا سعيد: هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأكلون أموالهم، ويقولون: إنما أعمالنا تجري على قَدَرِ الله”؛ كاشفاً عن الحقيقة المتخفية وراء نسبة أفعال البشر إلى الله. أنظر: علي مبروك: النبوة؛ من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ (دار التنوير للطباعة والنشر)، بيروت، ط 1، 1993، ص 178- 180.

[6] – حين يصف أحدهم المتمردين على سلطة رئيسه المصري (الإسلاموي)، بأنهم يكررون فعل إبليس عندما تمرد وعصى أمر الله، فإنه ينسى أنه يرتفع برئيسه- والحال كذلك- إلى مقام “الله”. فإذ يجعل من المتمرد “إبليساً”، فإنه يجعل ممن يتمرد عليه هؤلاء الناس/الأبالسة “إلهاً”.

* Dr. Ali Mabrouk is Professor of Philosophy in the College of Humanities at Cairo University | د. علي مبروك أستاذ للفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة

© International Qur’anic Studies Association, 2014. All rights reserved.

The Inapplicability of Non-Muslim Rule, a Qur’anic Perspective | عدم جواز ولاية غير المسلمين….التوجيه القرائي للقرآن

By Ali Mabrouk

Professor Mabrouk examines the broad, semantic use of the terms islām/muslim in the Qur’an (eg. 3:19; 31:22) and argues that they apply to followers of all prophets and no one particular prophet. He also distinguishes it from the narrower, popular use of those terms in subsequent history to include only followers of Muhammad alone. Favoring the latter over the former, as is the case today, abandons the Qur’an’s original intent behind the terms, and it has created serious political problems. (EE)

(flickr.com)

(flickr.com)

إذا كان المقال السابق قد كشف عن الحضور الطاغي لفعل القراءة، حتى في حال إكتفاء المرء بمجرد ترديد آياتالقرآن، فإنه يلزم التأكيد على أن القرآن يصبح، عبر هذا الفعل، موضوعاً لضروبٍ من التوجيه (الناعمة والغليظة) التي لا تكونفي غالب الأحوالموضوعاً لوعي الممارسين لها. ويتحقق هذا التوجيه ليس فقط عبر إنطاق وإسكات دلالات بعينها ينطوي عليها القرآن، بل وعبر ما يبدو وكأنه إبدال الدلالات التي فرضها التاريخبتلك التي يتضمنها القرآن“. ولعل مثالاً على هذا الضرب الأخير من التوجيه، الذي يجري فيه إستبدال دلالة التاريخ بدلالة القرآن، يأتي من قراءة آية قرآنية تنشغل بتعيين معنى المسلم والإسلام، وبما لذلك من تعلُّقٍ مباشر بمسألة عدم جواز ولاية غير المسلمين؛ وأعني بها قوله تعالى: “إن الدين عند الله الإسلام“. فالدلالة المستقرة، في وعي الجمهور، للآية تنبني على أن معنى الإسلامينصرف إلى ذلك الدين الذي إبتُعِثَ به النبي الكريم (محمد عليه السلام)؛ وبما لابد أن يترتب على ذلك من أن المسلمين هموفقطأتباع هذا النبي الكريم. ولسوء الحظ، فإن هذه الدلالة التي إستقرت، في وعي الجمهور، للفظتي إسلام/مسلمين، تمثل تضييقاً أو حتى نكوصاً عن الدلالة التي يقصد إليها القرآن خلال إستخدامه لكلتا اللفظتين. بل إن إختباراً لهذا الإستخدام القرآني يكشف عن أن هذه الدلالة المستقرة للفظتي إسلام/مسلمينتكاد أن تكون قد تبلورتوتطورتخارج القرآن، على نحو شبه كامل. وإذن، فإنها تبدو أقرب ما تكون إلى الدلالة الإصطلاحية، التي تمتزج فيها المقاصد الواعية وغير الواعية لمن إصطلحوا عليها؛ وعلى النحو الذي تعكس فيه عناصر تجربتهم التاريخية، ولو كان ذلك على حساب القرآن ذاته. وضمن هذا السياق بالذات، فإن التمييز يبدو ملحوظاً، لا تخطئه عين القارئ المدقق، بين هذه الدلالة الإصطلاحية، وبين الدلالة السيمانطقية التي تغلب على التداول القرآني لكلتا اللفظتين.

فإذ تنبني الدلالة الإصطلاحية على صرف معنى لفظة مسلمين، مثلاً، إلى أتباع النبي محمد (صلعم) فحسب، فإن الدلالة السيمانطقية، الغالبة على الإستخدام القرآني لتلك اللفظة ذاتها، لا تقصر المعنى على هؤلاء فقط، بل تتسع به ليشمل غيرهم من أتباع الأنبياء السابقين أيضاً. وهكذا، فإن اللفظة مسلمون/مسلمينقد وردت، في القرآن، حوالي ستٍ وثلاثين مرة، إنطوت فيها، في الأغلب، على دلالة تسليم المرء وجهه لله، من دون أن يكون ذلك مقروناً بإتباع نبيٍ من الأنبياء بعينه. بل إن بعض الآيات يستخدم لفظة مسلمون/مسلمين، صراحة، للإشارة إلى من هم من غير أتباع النبي محمد (صلعم). ومن ذلك، مثلاً، إشارته إلى بني يعقوب بإعتبارهم من المسلمين؛ وذلك في قوله تعالى: “أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمونالبقرة: 133. والحق أن المرء يكاد يلحظ أن القرآن يكاد، على العموم، أن يصرف دلالة اللفظة إلى فعل التسليم لله، وذلك فيما تلح الدلالة الإصطلاحية على صرف الدلالة إلى فعل الإتباع لنبيٍمن أنبياء الله بالذات. وتبعاً لذلك، فإنه إذا كان غير المسلم هوبحسب دلالة الإصطلاح المستقرة، في وعي الجمهوركل من لا يتبع دين النبي محمد (صلعم)، فإنه، وبحسب الدلالة المتداولة في القرآن، هو كل من لا يُسلِم وجهه لله؛ وبما لابد أن يترتب على ذلك من أن كل من يُسلِم وجهه لله حقاً، هو من المسلمين، حتى ولو لم يكن متبعاً لدين النبي الخاتم. وإذ يفتح ذلك الباب أمام إدخال البعض ممن يُقال أنهم من غير المسلمين إلى دين الإسلام، إبتداءاً من تسليمهم الوجه لله، فإنه سوف يفتحه بالمثل أمام إخراج الكثيرين ممن يُقال أنهم من المسلمين، من دين الإسلام، لأنهم لا يعرفون الإسلام بما تسليم الوجه لله، بل بما هو قناعٌ لتسليم الناسأو حتى إستسلامهملهم، بدلاً من الله. فإنه إذا كان القصد من تسليم الناس وجوههم لله وحده، هو تحريرهم من الخضوع لكل آلهة الأرض الزائفة، فإن ما يجري من تحويل الدين إلى قناعٍ لإستعباد الناس وتيسير السيطرة عليهم لا يمكن أن يكون من قبيل الإسلام أبداً. إن ذلك يعني أن التحول من الدلالة القرآنية للفظة مسلمين، التي يعني فيها الإسلام تسليم الوجه لله، إلى الدلالة التاريخية التي تقصر المعنى على أتباع النبي محمد عليه السلام، فحسب، يؤشر على تزايد التعامل مع الإسلام كآداة للسيطرة على العباد، وذلك على حساب ما أراده الله له من أن يكون طريقاً لتحريرهم جميعاً من كل ضروب الطغيان والإستعباد. ولعل ذلك يكشف عن عدم إنضباط مفهوم غير المسلم؛ وأعني من حيث تبقى المسافة قائمة بين المعنى الذي يصرفه إليه القرآنمن أنه من لا يُسلِم وجهه لله، وبين المعنى الذي فرضه عليه التاريخمن أنه من لا يتبع نبوة محمد عليه السلام“. وبالطبع فإنه لا مجال للإحتجاج بأن معنى الإسلام، بما هو تسليم الوجه لله، قد تحقق على الوجه الأكمل مع نبوة النبي الخاتم (محمد عليه السلام)، فإن القرآن يتضمن بين جنباته ما يزحزح هذا الإعتقاد؛ وذلك حين يمضي إلى أن ثمة من اليهود والنصارى والصابئة من يتشارك مع المؤمنين بنبوة محمد عليه السلام في تسليم الوجه لله حقاً، وأنهملذلك– “لهم أجرهم عند ربهمولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون“. إذ يقول تعالى: “إن الذين آمنوا (يعني بمحمد) والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهمالبقرة: 62″. وهكذا فإن القرآن لا يقصر معنى الإسلام بما هو تسليم الوجه لله“- حتى بعد إبتعاث النبي محمد عليه السلامعلى المؤمنين بنبوته فحسب، بل إنه يتسع به ليشمل غيرهم أيضاً. وغنيٌّ عن البيان أن ذلك يرتبط بحقيقة أن مدار تركيز القرآن هو على فعل تسليم الوجه لله وحده، وليس على الباب الذي يتحقق من خلاله هذا الفعل، وحتى على فرض أن القرآن يمضي إلى أن الباب الأكمل لتحقق هذا الفعل هو باب النبي محمد عليه السلام، فإنه لم يدحض إمكان تحققه من غير هذا الباب أيضاً.

يبدو، إذن، أن التاريخ، وليس القرآن، هو ما يقف وراء تثبيت الدلالة المستقرة للآية القرآنية إن الدين عند الله الإسلام، وهو ما يدرك من يستدعي هذه الآية أنه سيلعب دوراً حاسماً في توجيه المُتلقين لها إلى إنتاج ذات الدلالة المستقرة. وهو يدرك أيضاً أن إثارة المعنى السيمانطيقي المتداول في القرآن للفظة إسلامسيؤدي، لا محالة، إلى زحزحة الدلالة التي قام التاريخ بترسيخها، ومن هنا أنه يسكت عنه تماماً، رغم ما يبدو من ظهوره الجلي في القرآن. فهل يدرك المتلاعبون سياسياً بالإسلام أنهم ينحازون للتاريخ على حساب القرآن؟

* This blog post was first published in Al-Ahram, September 20, 2012. It can also be found on Professor Mabrouk’s website here.

© International Qur’anic Studies Association, 2013. All rights reserved.

On the Qur’an and Authority | عن القرآن والسلطان

By Ali Mabrouk*

In this article, professor Ali Mabrouk describes how the Qur’an was transformed from a text open to the full range of human inquiry and participation into an instrument of political authority by an elite. He describes how the Qur’an itself was subjected to the dispute between Sunni and Shi’a, and how the Umayyad and Abbasid Caliphs used the Qur’an to endow themselves with divine authority. This politicization made the text closed and its interpretation both fixed and absolute. Mabrouk argues that the first step in “re-opening” the Qur’an is de-politicizing it. (EE)

لم تترك السياسة شيئاً إلا وتلاعبت به، وقامت بتوجيهه لخدمة ما تريد وتشتهي؛ وإلى حد أن القرآن لم يفلت، على جلاله وتساميه، من هذا المصير. وبالطبع، فإنه يلزم التأكيد على أن هذا التلاعب لم يتحقق- على الرغم مما يجري تداوله من التنازع بين السنة والشيعة- من خلال التغيير والتزوير؛ بل من خلال ما جرى من تثبيت طرائق بعينها في تصوره والتعامل معه. ومن ذلك مثلاً ما جرى من “تصوره” على النحو الذي جعله أحد الساحات الرئيسة لإنتاج هذه الأطلقة؛ وكان ذلك عبر التعالي به من وجودٍ من أجل الإنسان، إلى وجودٍ سابقٍ عليه، ومن تركيبٍ تبلور في العالم إلى كينونة ذات حضورٍ مكتملٍ سابقٍ في المطلق. ولقد ترافق هذا التحويل، بدوره، مع تحولات مسار السياسة في الإسلام من ممارسة “مفتوحة” إلى ممارسة “مغلقة”؛ وبكيفية تحول معها من القرآن الذي كان مركزه وقطبه هو “الإنسان”، إلى القرآن الذي استعمره، واحتكره “السلطان”. إذ يجب تذكُّر أن التحول في مسار السياسة من “خلافة الشورى” (مع أبي بكر) إلى “المُلّك العضود” (مع معاوية) قد تلازم مع الانتقال من القرآن الذي “لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الإنسان”- بحسب قول الإمام “عليّ بن أبي طالب” الذي لا يعني إلا أن الإنسان يدخل في تركيب القرآن- إلى القرآن أمسك به السلطان، وراح يتصوره ناطقاً بدلالة مطلقة، مُقرناً له بالسيف، ليحسم به معركة السياسة.

(alimabrouk.blogspot.com)

(alimabrouk.blogspot.com)

والحق أن نظرة على الطريقة التي جرى التعامل بها مع لغة القرآن، لتكشف عن التحولات في مسار الصراع السياسي. فإذ يورد السجستاني، في كتاب المصاحف، أنه “لما أراد عمر أن يكتب (المصحف) الإمام أقعد له نفراً من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن قد نزل على رجلٍ من مضر”، فإن الأمر قد اختلف مع عثمان الذي يُروى عنه أنه قال: “إذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلغة قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم”. وللغرابة، فإن هذا التحول من “لغة مضر” إلى “لغة قريش” قد ترافق مع ما كان يتنامى في ساحة السياسة- وعبر عن نفسه صريحاً مع عثمان- من اعتبارها (أي السياسة) شأناً قرشياً خالصاً، بعد أن كانت قبله ساحة مفتوحة يشاركها فيها غيرها. ولعل دليلاً على هذا التحول- في السياسة- يأتي مما أورده الطبري، في تاريخه، عن المنازعة التي جرت وقائعها حين اجتمع “عبد الرحمن بن عوف” إلى من “حضره من المهاجرين وذوي الفضل والسابقة من الأنصار، وأمراء الأجناد” ليختاروا الخليفة من أهل الشورى الذين عينهم “عمر” قبل موته. فقد “قال له عمار (بن ياسر): إن أردت ألا يختلف المسلمون، فبايع عليَّاً، فقال المقداد: صدق عمار؛ إن بايعت عليَّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. وقال (عبد الله) بن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريشاً، فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق؛ إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمار بن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟….فقال رجلٌ من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية (يعني عمار)، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها”. ولعل كون الرجلين المتنازع عليهما (عليّ وعثمان) من قريش، هو ما يجعل القصد من عبارة الرجل المخزومي لابد أن يتجاوز ما يمكن فهمه منها من وجوب “قرشية” من في الحكم، إلى أن الأمر يتعلق باستبعاد كل من سوى القرشيين من حق المشاركة في تعيين الحاكم ونصبه؛ وبحيث تصبح السياسة احتكاراً قرشياً خالصاً لا شأن لغيرهم به.

إن ذلك يعني، وبلا أدنى مواربة، جواز القول بأن الانتقال من “لغة المسلمين”، على تعدد قبائلهم، إلى “لغة قريش” وحدها، إنما يعكس تحولاً كان يجري في مسار السياسة من كونها شأناً عاماً يخص “المسلمين” جميعاً، إلى كونها شأناً يخص “قريش” وحدها؛ أو يخص- حتى- مجرد بيتٍ من بيوتها بحسب ما سيجري لا حقاً، مع بني أمية وبني العباس. لكنه، وبالرغم من هذا التضييق النازل من “لغة القبائل” إلى “لغة قريش”، فإنه يبقى أنها تظل- في الحالين- من قبيل اللغة ذات الأصل الإنساني؛ وهو الأمر الذي سرعان ما سيختفي تماماً مع اعتبار لغة القرآن هي ألفاظ و”كلام الله”، بدل أن تكون هي لغة الإنسان. وبالطبع فإن هذا التحول من “لغة الإنسان” إلى “كلام الله”، إنما يعني بلوغ صيرورة “الأطلقة”- التي كانت تعني تسييد المطلق “إلهاً” في المجرد، و”حاكماً” في المتعيِّن- إلى تمام الذروة والاكتمال. وهكذا، فإن ما يفسر ما حصل من التعالي بالقرآن (لغة وتاريخاً وماهيةً) من الأرض إلى السماء، هو ما جرى من صعود المسلمين (سنة وشيعة) بخلافات السياسة من الأرض إلى السماء. والغريب، هنا، أن أهل السنة كانوا- وليس الشيعة- هم الذين بدأوا التعالي بالسياسة من الأرض إلى السماء؛ وكان ذلك تحديداً حين رفض عثمان بن عفان ترك السلطة، نزولاً على طلب الثائرين عليه، محتجاً بالقول: “كيف أخلع قميصاً ألبسنيه الله”؛ فكان تقريباً أول من بدأ التعالي بأصل سلطته إلى السماء.وبالطبع فإن ما سيمضي إليه الشيعة، لاحقاً، من اعتبار تعيين الإمام ونصبه هو أمرٌ من اختصاص السماء، لن يكون إلا محض ترجيع لهذا التقليد الذي دشنه الخليفة الثالث؛ عثمان.

ولعل ما يدعم هذا التوازي بين التعالي بالقرآن والتعالي بالسياسة، هو ما يبدو من أن التعالي بالقرآن كان قد ترافق مع سعي البعض، من الحكام المتأخرين على حقبة الخلافة بالذات، إلى التعالي بسلطتهم إلى مقامٍ ينفلتون فيه من أي حسابٍ أو مساءلة. وهنا، فإنه لم يكن ثمة ما هو أنسب من أن يخفي “الحاكم” نفسه وراء “القرآن”؛ الذي كان لابد- لذلك- من رفعه إلى السماء؛ لكي يكتسب، بدوره، (أعني الحاكم) رفعة الكائن السماوي. ولعل هذه العملية من التقنُّع بالقرآن، هي التي ستقف وراء تبلور المأثور القائل: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. فإذ تكشف مفردات “الوازع” و”السلطان” المستخدمة في المأثور عن تبلوره المتأخر، في حقبة شاع فيها استخدام تلك المفردات (لعلها الحقبة السلطانية)، فإن في ذلك ما يسند دعوى أن “أطلقة” القرآن كانت قناعاً يُراد منه التستر على “أطلقة” السلطان. فإذ المأثور لا يستحضر من السلطان، إلا أنه أداة الله في الحكم- الذي هو الوازع- فيما لم يَرِدُ فيه حكم القرآن، فإن في ذلك ما يقطع بأن الأمر يتعلق ببناء السلطة، على النحو الذي تكون فيه متعالية ومطلقة؛ وأعني من حيث أن حكمه يكون- والحال كذلك- هو حكم الله. لكنه يبقى وجوب التأكيد على حقيقة أنه إذا كان السلطان قد كسب، بهذا التعالي، إطلاق سلطته، فإن ما ألحقه هذا التعالي بالقرآن من الضرر كان كبيراً؛ وذلك من حيث ما تآدى إليه من إطفاء أنواره، وإهدار خصوبته، بسبب ما فرضه عليه من إسكات صوته، وتجميد دلالته….ومن هنا وجوب السعي إلى تحرير “القرآن” من قبضة “السلطان”.

* Ali Mabrouk is Professor of Islamic Philosophy at the University of Cairo, Egypt. This blog post was first published in Al-Ahram, April, 18, 2013. To read more of Ali Mabrouk’s work,visit the following links [1] [2].

© International Qur’anic Studies Association, 2013. All rights reserved.